مقالات

حين يوقظنا الغياب… بعد أن يفوت الأوان

بقلم الكاتبة _فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة _فاطمة عواجي

كم من خلافٍ اشتعل بين أخٍ وأخته، أو بين أختين، أو بين قريبٍ وقريبته، أو صديقٍ وصديقته… بدأ بكلمة عابرة، أو موقفٍ عادي، أو سوء فهمٍ بسيط، ثم كبر في النفوس حتى صار جدارًا عاليًا من الصمت والقطيعة.
ولو جلسوا لحظة صدق مع أنفسهم، لوجدوا أن الأمر كله… لا يستحق.
نحن لا نختلف لأن القلوب سيئة، بل لأن الكرامة تتضخم أحيانًا، ولأن الشيطان يزين لنا أن الاعتذار ضعف، وأن المبادرة تنازل، وأن الصمت عقوبة مستحقة للطرف الآخر. فنؤجل المكالمة، ونؤجل الرسالة، ونؤجل اللقاء… ونؤجل الصفح، وكأن الزمن ينتظرنا.
لكن الزمن لا ينتظر أحدًا.
تتراكم الأيام، وتمضي المناسبات، وتبرد العلاقات، ويعتاد القلب على البعد… حتى يأتي ذلك الخبر الذي لا يسبقه إنذار:
فلان رحل.
حينها فقط، يسقط كل شيء.
تذوب كل المبررات، وتصغر كل الخلافات، ويصبح السؤال المؤلم:
لماذا لم أبادر؟ لماذا لم أتصل؟ لماذا لم أحتضنه قبل أن يغيب؟
الوجع الحقيقي ليس في الموت وحده، بل في الكلمات التي لم تُقل، وفي الاعتذارات التي لم تُقدَّم، وفي الضحكات التي كان يمكن أن تعود… لكنها لم تعد.
نكتشف متأخرين أن الموقف الذي تشبثنا به لم يكن يستحق دمعة ندم واحدة، وأن العلاقة كانت أغلى من أن تُضحّى لأجل عنادٍ عابر.
ما أقسى أن نقف أمام قبرٍ أو ذكرى، ونقول في سرّنا:
ليته يعود دقيقة واحدة فقط… لأقول له إنني سامحت، وإنني أحب، وإنني اشتقت.
لكن الدقيقة لا تعود.
الحياة أقصر من أن نحمل فيها أحقادًا طويلة، وأضيق من أن نملأها بخصومات تافهة.
الأخ لا يُعوّض، والأخت لا تُستبدل، والقريب إذا انكسر الحبل بينكما طال ترميمه، والصديق الصادق نعمة لا تتكرر كثيرًا.
فلماذا نؤجل الصفح؟
لماذا ننتظر الفقد ليوقظنا؟
المبادرة لا تُنقص من قدرنا، بل ترفعه. والاعتذار لا يُسقط هيبتنا، بل يثبت إنسانيتنا. والكلمة الطيبة اليوم قد تكون طوق نجاة غدًا… لقلبٍ كان ينتظرها.
تصالحوا قبل أن يداهمكم الغياب.
اتصلوا قبل أن يتحول الرقم إلى ذكرى.
قولوا “سامحتك” و”اشتقت لك” و”حقك علي” الآن… لا بعد أن يصبح الصوت في الطرف الآخر صدىً في الذاكرة فقط.
فأقسى ما في الرحيل أنه يعلّمنا الدرس…
لكن بعد أن يفوت الأوان.

نوادر العرب… حين يبتسم العقل قبل الشفاه

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬