رمضان .. ولادة روح جديدة
بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر
يأتي رمضان كل عام، وكأنّه فرصة هادئة لمراجعة أشياء كثيرة داخلنا دون ضجيج. لا يتغير العالم من حولنا كثيرًا، لكن شيئًا ما يتغير فينا نحن. تتبدّل ساعات يومنا، وتختلف عاداتنا، إلا أن التغيير الأعمق يحدث في تلك المساحة الصامتة بين الفكرة والشعور.
حين نصوم، لا نشعر بالجوع فقط، بل نشعر بأننا أقرب إلى حقيقتنا الأولى؛ تلك الحقيقة البسيطة التي لا تحتاج إلى كل هذا التعقيد اليومي. نكتشف أننا نستهلك أكثر مما نحتاج، ونتكلم أكثر مما ينبغي، وننزعج من أشياء لو تأملناها لوجدناها صغيرة. الصيام يبطئ الإيقاع، وحين يبطؤ الإيقاع تبدأ الرؤية بالاتضاح.
في الأيام العادية، نمضي بسرعة؛ نأكل بسرعة، نغضب بسرعة، ونحكم على الآخرين بسرعة. أما في رمضان، فهناك مساحة فاصلة قبل كل فعل. قبل أن نأكل ننتظر، وقبل أن ننفعل نتذكر أننا صائمون. هذا التذكر البسيط يغيّر الكثير. كأن الصيام لا يمنعنا عن الطعام فقط، بل يضع بيننا وبين ردود أفعالنا لحظة وعي إضافية. وهذه اللحظة قد تصنع إنسانًا أكثر حلمًا، وأكثر اتزانًا.
رمضان يعلّمنا أن الإرادة قابلة للتقوية. حين يستطيع الإنسان أن يمتنع عما اعتاده يوميًا، فهو يثبت لنفسه أنه ليس أسير رغباته. ومع مرور الأيام، تتحول المشقة إلى عادة، وتتحول العادة إلى طمأنينة. هنا ندرك أن معظم ما نظنه “لا يُحتمل” يمكن احتماله حين يكون له معنى.
ومع الجوع يتولد شعور مختلف تجاه الآخرين. حين نشعر بالعطش في منتصف النهار، نفهم شيئًا من معاناة من يعيش هذا الشعور قسرًا لا اختيارًا. فيلين القلب قليلًا، وتصبح الصدقة أقرب إلى النفس، لا بوصفها واجبًا، بل بوصفها استجابة طبيعية لإنسان يشعر بإنسان.
أجمل ما في رمضان ليس كثرة الموائد ولا ازدحام الأمسيات، بل تلك اللحظات الهادئة قبيل الأذان، أو بعد صلاة طويلة في آخر الليل، حين يشعر الإنسان أن روحه خفيفة. في تلك اللحظات يتصالح المرء مع نفسه، يسترجع أخطاءه دون قسوة، ويخطط لبداية جديدة دون ادعاء. رمضان يمنحنا شجاعة الاعتراف، ويمنحنا في الوقت نفسه أمل التغيير.
لكن السؤال الذي يظل معلقًا كل عام: ماذا سيبقى بعد أن ينتهي الشهر؟ هل كانت الأيام مجرد طقس موسمي، أم كانت تدريبًا حقيقيًا على نمط حياة مختلف؟ القيمة الحقيقية لرمضان لا تُقاس بعدد الختمات، ولا بطول الموائد، بل بالأثر الذي يستمر بعد انقضائه. إن بقي فينا شيء من هدوءه، شيء من ضبطه للنفس، شيء من رحمته بالناس، فقد فهمناه على حقيقته.
رمضان ليس انقطاعًا عن الحياة، بل عودة إليها بنسخة أنقى. هو فرصة لنُعيد ترتيب الداخل قبل أن ننشغل بترتيب الخارج. وكل عام، ونحن أمام هذا الموعد المتجدد، يبقى القرار بأيدينا: أن نمر به مرور العابرين، أو أن نجعله نقطة تحوّل حقيقية في أعماقنا.



