الفقد في زمن الأهازيج

بقلم الكاتبة فاطمة عواجى
كم هي موجعة تلك اللحظات التي ترتفع فيها الأهازيج…ويعلو معها صوت الغياب.
في بيوتنا يا أبي تعالت الأفراح، وازدانت الجدران بالضحكات، وتراقصت الأضواء في الزوايا، لكن خلف كل زغرودة كان هناك صدى اسمك… وخلف كل ابتسامة كانت دمعة تختبئ.
رحيلك كان موجعًا…
لكن الأوجع أن نفرح دونك.
أن تجتمع العائلة ويظل مقعدك فارغًا.
أن نلتفت تلقائيًا نحو الباب، كأنك ستدخل فجأة بابتسامتك الهادئة، وكلماتك التي كانت تطمئن القلوب قبل أن تلامس الآذان.
نلتفت نحو أمّي، فنجد في عينيها حكايةً لا تُقال.
تبتسم للناس، تبارك، تفرح، تُرتّب التفاصيل، تستقبل الضيوف…
لكن بين رمشة عينٍ وأخرى، تسقط دمعةٌ صامتة،
دمعةٌ تحمل شوق سنوات، وغصة امرأة فقدت سندها ورفيق عمرها.
أمّي لم تبكِ رحيلك يومًا أمامنا كما يجب…
كانت تؤجل دموعها كي لا ينكسر البيت.
لكن في الأفراح، حين يعلو الصوت وتكثر الضحكات،
تشتد الغصة…
لأنك كنت أول من يفرح، وأول من يبارك، وأول من يحتضننا بفخر.
وأخواتي…
نحاول أن نتماسك، أن نبدو قويات كما كنت تحبنا،
لكن كل واحدةٍ فينا تحمل حنينًا مختلفًا لك.
واحدة تفتقد نصيحتك،
وأخرى تفتقد دعاءك،
وثالثة تفتقد ضحكتك حين تنادينا بأسمائنا كما لو كنا أغلى ما تملك…
ونحن فعلًا كنا كذلك.
نفتقد ضحكتك التي كانت تسبق أفراحنا، وصوتك الذي كان يبارك اللحظة فيكتمل بها المعنى.
تعالت الأهازيج…
لكنها كانت ممزوجة بدموع لا يراها إلا من يعرف حجم الفقد.
في كل مناسبة، في كل عيد، في كل رمضان يمر علينا، نشعر أن شيئًا ناقصًا.
الزينة كما هي، والناس كما هم، والطعام يُعد كما اعتدنا… لكن الروح ليست كما كانت.
كنت أنت الروح يا أبي.
كنت البركة التي تملأ البيت، والطمأنينة التي تجعل الأفراح أكثر دفئًا.
واليوم صرنا نفرح… لكن بوجع.
نبتسم… لكن بعيون تبحث عنك.
نحاول أن نبدو بخير… لكن في داخلنا غصة لا تذوب.
أمس كنت معنا في كل التفاصيل، واليوم صرنا نحمل ذكراك بدل حضورك.
نتحدث عنك كثيرًا، كأننا نخاف أن يبهت صوتك في الذاكرة.
نسترجع مواقفك، ضحكاتك، نصائحك… كأننا نعيد بناءك داخلنا، حتى لا يسرقنا الغياب تمامًا.
كل أفراحنا، مهما بلغت سعادتها، ينقصها وجودك.
كل إنجاز نحققه، نتمنى لو كنت أول من يسمع به.
كل لحظة فخر، نفتش عن نظرة عينيك.
الفقد يا أبي ليس حدثًا عابرًا…
هو شعور يسكن فينا، يكبر معنا، ويتشكل مع كل مناسبة.
لكننا رغم الوجع، نؤمن أنك ترى، وأن دعواتك تحيط بنا، وأن رضاك ما زال يظلل أيامنا.
نؤمن أن الحب لا يموت، وأن من سكن القلب لا يرحل.
ستبقى معنا في كل فرح…
حتى وإن لم نرك.
وسيبقى اسمك في دعائنا،
وذكرك في أفراحنا،
وصورتك في قلوبنا…
رحمك الله يا أبي،
وجعل لقاءنا بك في جنات لا فراق بعدها،
حيث لا دموع تختبئ خلف الأهازيج،
ولا أفراح ناقصة.



