قبل أن نزيّن الأحياء… هل زيّنا قلوبنا؟

بقلم الكاتب : يحي الحربي
مع اقتراب شهر رمضان تتبدّل ملامح المجتمع سريعًا. حركة تسوّق نشِطة لا تهدأ، عربات تمتلئ بالمواد الغذائية، استعدادات منزلية متسارعة، وأيدٍ تتعاون لتجميل الأحياء وتزيين مداخلها ومخارجها. في كل زاوية نرى حراكًا نابضًا بالحياة؛ ديوانيات تُجهّز، إنارات تُعلّق، لوحات ترحيبية تُثبت، وكأن الجميع يعلن: أهلًا بشهر الخير.
وفي المساجد، يتسابق أهل الحي إلى الصيانة والتنظيف، توفير المصاحف، إصلاح المكيّفات، واختيار الأئمة ذوي الأصوات الندية التي تلامس القلوب قبل الآذان. مشهد جميل يبعث على الفخر؛ روح جماعية تتكاتف لاستقبال ضيف عزيز طال انتظاره.
لكن، وبين كل هذا الحراك الخارجي، يبرز سؤال أعمق:
هل بدأنا في تهيئة الداخل كما هيّأنا الخارج؟
هل شرعنا في تغيير ذواتنا وإصلاح نفوسنا؟ هل عقدنا مع أنفسنا معاهدة صادقة أن يكون هذا الرمضان مختلفًا؟
رمضان ليس موسمًا للموائد فحسب، بل محطة إيمانية لإعادة ترتيب الأولويات. هو فرصة لمراجعة العلاقات، لتصفية القلوب، لتجديد النية، ولتصحيح المسار. فكما نخطط لقائمة المشتريات، هل خططنا لقائمة الطاعات؟
كم جزءًا من القرآن سنقرأ؟
ما مقدار الصدقة التي سنحرص عليها؟
هل سنصل أرحامًا انقطعت؟
هل سنغلق أبواب خصومة ونفتح أبواب مسامحة؟
وهنا تأتي النصيحة الصادقة لكل قارئ:
لا تجعل رمضان يمر كما مرّ غيره.
ابدأ من الآن بخطوات عملية واضحة؛ اكتب خطة بسيطة لشهرك، حدّد أهدافًا قابلة للتحقيق، ولو قليلة، لكن داوم عليها. خصص وقتًا يوميًا للقرآن ولو صفحة، واجعل لك وردًا من الذكر لا تنقطع عنه، وبادر بالاعتذار إن أخطأت، وابدأ بالسلام إن خاصمت. تذكّر أن أعظم الزينة ليست في الشوارع ولا في البيوت، بل في قلبٍ خاشع، ونفسٍ مطمئنة، وعملٍ خالصٍ لله.
فلنجمّل الأحياء، نعم، ولكن لنجمل معها أخلاقنا.
ولنضيء الشوارع، ولكن لنُضئ قبلها قلوبنا بالإيمان.
ولنهيئ المساجد، ولكن لنجعل من صدورنا مساجد عامرة بالذكر والخشوع.
رمضان قادم…
فاجعله نقطة تحوّل لا محطة عابرة، وبداية عهدٍ جديد بينك وبين الله .


