مقالات

حين تُدفن الكفاءة ويُكافأ الاتكال

بقلم الكاتبة_ فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة_ فاطمة عواجي

قراءة موجعة في الاحتراق الوظيفي والظلم الصامت
في بيئتنا الوظيفية، لا ينقصنا الذكاء،
ولا تندر الكفاءات،
ولا تغيب الخبرات…
لكن الذي يغيب كثيرًا هو العدل.
هنا، موظفون يحملون سنوات من الخبرة،
تعلّموا من الميدان قبل الكتب،
واكتسبوا مهاراتهم من الواقع قبل الشهادات،
اجتهدوا، وتحمّلوا، واحترقوا عامًا بعد عام،
ثم… هُضمت حقوقهم ودفنت بصمت.
منهم من كانت ظروف الحياة أقسى من أحلامه،
فلم تسعفه لإكمال البكالوريوس،
أو الماجستير،
أو الدكتوراه.
لا لقصورٍ في العقل،
بل لضيق في الطريق.
ومنهم من يحمل شهادة،
لكنها بقيت إطارًا على الجدار،
لا أثر لها في الأداء،
ولا روح في التطبيق.
ومنهم من جمع بين الاثنين:
علمٌ حقيقي،
وخبرة عميقة،
وعطاء لا يتوقف.
ومنهم من بدأ من مستوى أدنى،
لكنه آمن بنفسه،
وطوّر أدواته،
وحضر البرامج والدورات،
وتعلّم، ونما،
حتى أصبح كفاءة يُشار لها بالبنان.
وفي المقابل…
هناك من اتكأ على غيره.
إذا كُلّف بعمل،
أعاده لموظف آخر لينجزه،
ثم عاد ليحصد النتيجة،
ويُمنح ترقية،
ويُقيَّم بأداء وظيفي
مساوٍ لمن احترق عامًا كاملًا
بين ضغط، ومسؤولية، وصمت.
وهنا يبدأ الاحتراق.
ليس الاحتراق الوظيفي تعبًا جسديًا،
بل ظلمًا متراكمًا.
أن ترى الجهد لا يُكافأ،
والاتكال يُساوى بالإخلاص،
والمجتهد يُطالَب بالمزيد
لأنه “يستطيع”.
الاحتراق يولد
حين لا يكون التميّز ميزة،
بل عبئًا.
حين يُطلب منك دائمًا أن تُنقذ الموقف،
ثم تُترك خارج الصورة عند التقدير.
الأخطر من الظلم ذاته،
أن يصبح نظامًا غير معلن،
يتعايش معه الجميع،
ويُجبر الكفاءات على الصمت
حتى لا تُتهم بالمطالبة…
أو تُصنّف بالمزعجة.
العدل في بيئة العمل
لا يعني تفضيل أصحاب الشهادات فقط،
ولا إقصاء من لم تُسعفه ظروفه،
بل يعني رؤية الإنسان كاملًا:
علمه،
خبرته،
تطوّره،
وعطاءه الحقيقي.
المؤسسات لا تنهض بالشعارات،
ولا تُبنى بالمسميات،
بل تُحفظ بالكفاءات التي لم تُكسر.
فحين تُدفن الكفاءة،
ويُكافأ الاتكال،
لا يخسر الموظف وحده…
بل تخسر المؤسسة روحها،
وتبدأ بالاحتراق من الداخل.
وما أكثر من احترقوا بصمت،
وما أقل من سُمِع صوتهم.

لأجل عينٍ تُكرم ألفُ عين.. حين يتجلّى المعنى في القرآن

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬