مقالات

العين حق

قلم: آمنه الحسيني

قلم: آمنه الحسيني

نحن على أبواب شهرٍ مبارك، شهر رمضان، نسأل الله أن يبلّغنا صيامه وقيامه، وأن يجعلنا فيه من المقبولين. وتسبق هذا الموسم الروحي ليلة النصف من شعبان، الليلة التي تُرفع فيها الأعمال إلى ربّ العباد، حيث لا يُنظر إلى كثرتها بقدر ما يُنظر إلى صفاء القلوب وخلوّها من الحقد والحسد.

والحسد وهنا لا بد من التوقف، ليس مسألة هامشية، بل آفة أخلاقية ودينية خطيرة، تستحق أن نضع تحتها ألف خط أحمر.

حضرتُ مؤخرًا مناسبة اجتماعية، ولفت انتباهي حديث دار بين امرأتين عن امرأة ثالثة، علّقتا على طريقة مشيها. لم يكن الحديث ملاحظة عابرة أو توصيفًا محايدًا، بل كان مشحونًا بنظرة انتقاص وحسد واضحة. وما لم تعلمه المتحدثتان أن تلك المرأة لم تحضر للتفاخر أو الظهور، بل لتأدية واجب وصلة رحم، وقد تناولت مسكنًا للألم قبل حضورها فقط لتفي بما أوجبه الله عليها.

نعرف جميعًا أشخاصًا يفعلون ذلك بصمت: يتحمّلون الألم طلبًا للأجر، ويؤثرون الواجب على الراحة، لعلّ الله يتقبّل منهم في مثل هذه الأيام المباركة. لكن، دون قصد أو وعي، قد يتحمّل الإنسان وزر كلمة، أو نظرة، أو تعليق مستهين، والله أعلم بآثار ذلك.

في أماكن الرقية الشرعية، يُذكر أحيانًا أن المصاب بالعين قد يدعو على من أصابه، ودعوة المظلوم كما نعلم ليس بينها وبين الله حجاب. وقد لا يكون الحسد مقصودًا في كثير من الأحيان، لكن غياب الذكر لا يُسقط المسؤولية.

من هنا، يصبح ذكر الله ضرورة أخلاقية قبل أن يكون عادة لفظية. فالكلمة الطيبة وقاية، والبركة لا تُستدعى إلا باسمه. حين نرى نعمة عند غيرنا، أقلّ ما يجب أن نقوله: ما شاء الله، تبارك الله، الله يبارك له في صحته وماله.

حتى مدحنا لأبناء الآخرين بتفوقهم أو ذكائهم إن خلا من ذكر الله، قد يفتح بابًا من أبواب الحسد دون أن نشعر.

والسؤال الذي يجب أن نواجهه بصدق: هل نرضى أن نكون سبب أذى لغيرنا بكلمة غير محسوبة؟

فالدنياكما يقال سلف ودَين، وما نزرعه اليوم قد نحصده غدًا في أنفسنا أو في أبنائنا.

لذلك، فالدعوة هنا ليست للوعظ فقط، بل لمراجعة الذات: تصفية النيات، ضبط اللسان، والالتزام بمعنى الحديث الشريف: «قل خيرًا أو اصمت».

كم من حياة اختلّت، وبيوت ضاقت، ونفوس تعبت، بسبب عين غافلة، أو كلمة لم يُذكر الله فيها، أو نظرة لم تُراعَ فيها حرمة النعمة.

نسأل الله أن يشفي كل معيون، وأن يهدي كل حاسد،

وأن يطهّر قلوبنا من كل سوء ويجعل ألسنتنا عامرة بذكره، حتى نلقاه بقلوب سليمة، لا تحمل إلا الخير.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬