مقالات

بين ضيافة الأجداد وهدر الأحفاد: هل نسينا جوهر الكرم؟

بقلم: حنان سالم باناصر

بقلم: حنان سالم باناصر

يتذكر “أبو خالد” كيف كان جده يجمع حبات الأرز المتناثرة حول طبقه بعناية فائقة، متمتماً بكلمات عن “البركة” التي تسكن في التفاصيل الصغيرة، وكيف كان بيتهم المفتوح للغريب قبل القريب يُدار بحكمة لا تسمح بضياع كِسرة خبز واحدة. لم يكن الجد يملك ربع ما نملكه اليوم، لكنه كان يملك ثقافة “الاكتفاء” التي تجعل من القليل وليمة تكفي الجميع. اليوم، يقف الحفيد في إحدى المناسبات الاجتماعية ليشاهد عمالاً يسحبون أكياساً سوداء ثقيلة من خلف قاعة الاحتال، محملة بذبائح كاملة وأطباق من الحلويات والمقبلات التي لم تلمسها يد، في مشهد يدمي القلب ويجعلنا نتساءل بمرارة: متى صار “الوجاهة” مرادفاً لـ”الإسراف”؟ ومتى تحولت المائدة من جسر للتواصل إلى ساحة للمباهاة؟
إن خلف هذا المشهد العابر أرقاماً تقرع أجراس الخطر وتستوجب وقفة صادقة مع الذات؛ فوفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو)، يُهدر في منطقتنا العربية وحدها ما يتجاوز 75 مليون طن من الغذاء سنوياً. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات جافة، بل هي صرخة في وجه مجتمعات تتباهى بكثرة الصحون بينما يعاني الملايين من انعدام الأمن الغذائي في مناطق ليست ببعيدة عنا. لقد انحرفنا عن بوصلة الأجداد الذين كانوا يرون في الكرم “إيثاراً” نابعاً من الإحساس بالآخر، وحولناه إلى “استعراض بصري” محكوم بسطوة الصورة؛ فنحن نملأ الطاولات بما يفوق طاقتنا عشرات الأضعاف، ليس إكراماً للضيف، بل خوفاً من “نقد الناس”، متناسين التوجيه الرباني الصريح: “وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”.
إن الجريمة الحقيقية تكمن في أننا لا نهدر الطعام فحسب، بل نستنزف معه دورة حياة كاملة؛ فكل طبق يُرمى هو ضياع لآلاف اللترات من المياه العذبة، وتبديد لجهد مزارع كدح لشهور. لكن التغيير لا يزال ممكناً، وهو يبدأ من استعادة “ثقافة المبادرة”؛ فبدلاً من ترك الفائض للمصير المجهول، يمكننا التنسيق المسبق مع “بنوك الطعام” والجمعيات الخيرية التي باتت تملك فرقاً مدربة لإعادة تغليف الطعام وتوزيعه بكرامة على المحتاجين. كما أن اعتماد مبدأ “الطلب بقدر الحاجة” في المطاعم، وتوفير أوعية للضيوف لأخذ ما تبقى من طعامهم، ليست علامات “بخل” بل هي أرقى مستويات الوعي والتحضر. إن الكرم الحقيقي هو “جود بالموجود” بابتسامة وتقدير، والعودة لهذا الإرث تبدأ بقرارات شجاعة في بيوتنا، لنكون حقاً أحفاداً يحفظون إرث الكرامة، لا مبذرين يغتالون بركة ما ورثوه.

حين نحتاج أن نعيش 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬