حين نحتاج أن نعيش

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر
في زحام الحياة المتسارع، يجد الإنسان نفسه محاصرًابدائرة لا تكاد تتوقف: عمل، دراسة، التزامات أسرية، ومسؤوليات يومية تتكرر بلا هوادة. ومع مرور الوقت، تتحول الأيام إلى سباق إنجازات، ويغيب السؤال الأهم: أين الإنسان من كل هذا؟ فحين تُختزل الحياة في الأداء فقط، يصبح الإرهاق النفسي أمرًا طبيعيًا، حتى وإن لم يُعترف به صراحة.
السفر والترفيه عن النفس لا يعنيان الهروب من الواقع أو التخفف من المسؤوليات، بل يمثلان شكلًا من أشكال استعادة التوازن الداخلي. تغيير المكان، ولو لفترة قصيرة، يتيح للذهن فرصة الانفصال عن الضغط المستمر، ويمنح النفس مساحة لإعادة الشحن، وكأن المعنى العميق لما قيل قديمًا «روّحوا عن أنفسكم ساعةً وساعة» ما زال صالحًا لكل زمن، يذكّرنا بأن النفس تملّ كما يتعب الجسد، وأن الراحة جزء من الحكمة لا نقيضها.
الخطأ الشائع هو تأجيل الترفيه إلى ما بعد “الانتهاء من كل شيء”، وكأن للحياة نقطة نهاية للمسؤوليات. الحقيقة أن الالتزامات لا تنتهي، لكن الإنسان هو من قد ينتهي إن لم يمنح نفسه حق الراحة. الترفيه ليس مكافأة مؤجلة، بل حاجة نفسية أساسية تقي من الاحتراق النفسي وتعيد التوازن بين العطاء والقدرة عليه.
الاستمتاع بالنعم التي تحيط بنا، ومنها السفر وتغيير الجو، هو وعي لا ترف، وإدراك بأن النفس مثل الجسد تحتاج إلى رعاية مستمرة. وفي نهاية الطريق، ندرك أن العناية بالنفس ليست ترفًا ولا انسحابًا من المسؤوليات، بل هي أصل القدرة على الاستمرار؛ فحين نعتني بأنفسنا، نصبح أكثر قدرة على الاعتناء بكل شيء آخر.



