مقالات

تيسير تكاليف الزواج

حسن بن محمد بن منصور مخزم الدغريري

حسن بن محمد بن منصور مخزم الدغريري

بسم الله الرحمن الرحيم 

          الحمدلله ، والصلاة ، والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، ومن والاه ، ثمَّ أما بعد :  

   أيها القراء الكرام : إنَّ النكاح حاجةٌ إنسانية ، وفطرةٌ بشرية ، وشرعةٌ إلهية حثَّ عليها الدين الإسلامي من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا ، وإلى يوم الدين ، وجعل الله فيه من الحكم العظيمة ، والمصالح المرعية ، والفوائد الجليلة ؛ ما الله به عليم ، وصدق الله تعالى إذ يقول : { وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ الروم 21 ] وقال صلى الله عليه وسلم : { تزوجوا الودود الولود فإنِّي مكاثرٌ بكم الأمم } يعني يوم القيامة ؛ رواه أبو داود والنسائي ، وحسن الحديث الألباني رحمه الله في إرواء الغليل برقم 1784 وقال صلى الله عليه وسلم : { يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ } أي مانع من الفواحش ؛ رواه البخاري ومسلم واللفظ له .

أخي القارئ : من المصالح العظمى ، والفوائد الكبرى ؛ للنكاح الشرعي إعفافٌ النفس البشرية عن ارتكاب الفواحش والحرام ، وصيانة للأعراض من الذنوب والآثام ، وسببٌ عظيمٌ لاستقرار المجتمعات الإنسانية من الشرور والعدوان ، وفي الزواج الشرعي حفظٌ لدين المسلم من الضعف والنقصان ، وتحقيقٌ لمقاصد الشريعة الإسلامية بتكثير سواد أهل الإسلام والإيمان ، والعناية بأخلاقهم الحميدة التي يرضاها عنهم ربنا الرحمن .

وكم في ترك الزواج الشرعي ، والبعد عنه من المفاسد والشرور والآثام ، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم : { إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخُلَقه فزوجوه ؛ إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض } رواه الترمذي ؛ وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 1022 .

أيها الآباء الكرام ، والأوصياء الفضلاء العظام على من تحت أيديكم من البنات ، والأخوات ؛ وغيرهنَّ ؛ ساهموا في تسهيل زواج بناتكم وأخواتكم ، ومن تحت أيديكم من النساء والذرية ؛ وارفعوا العوائق المانعة من زواجهنَّ ، لا سيما وأنتم في زمنٍ كثرة فيه الفتن ، ووسائل الإعلام المغرية التي تدعوا للفواحش والآثام ؛ إلاَّ من عصمه الله منها ذو الجلال الإكرام .

ومن أعظم العوائق التي تصرف الشباب عن النكاح الشرعي ، وتجلب لهم الهموم والديون والأحزان : المغالاة في المهور ، واستئجار القصور الغالية ، وتعدد ولائم الأعراس المتنوعة ، والتكاليف الأخرى التابعة للزواج ، والتي فرضتها العادات القبلية، والتقاليد الغربية المخالفة للشريعة المحمدية ، والتي تَثْقُل بها كاهل الزوج ، والزوجة وأهليهما معاً ؛ بدون مصلحةٍ ظاهرةٍ ؛ بل بما فيه مفسدة غالبة ، كيف وقد قال الله تعالى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }وقال صلى الله عليه وسلم : { إنَّ أعظم النساء بركة أيسرهنَّ صَداقا } رواه أحمد والبيهقي بإسناده جيد ، وفي سنن أبي داود ، وغيره ، وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم 1927 قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ” ألا لا تغالوا بصُدُق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم ما أَصْدَق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية ” وهي ما تساوي مائة وعشرين ريالا سعودياً أو نحوها كما قاله شيخنا أحمد النجمي رحمه الله .

معاشر القراء : احذروا من منع النساء من الزواج الشرعي بحجة الطمع في أموالهنَّ ، أو إكمال دراستهنَّ أو غيرها من الحجج الواهية التي تَمنعهنَّ من الزواج بالأكفاء من أهل الدين والخلق ، وفي عضل النساء ، ومنعهنَّ عن الزواج بالأكفاء شرورٌ كثيرةٌ ، ومفاسدُ عظيمةٌ ؛ يعجز اللسان عن ذكرها وبيانها ؛ كيف وقد قال الله تعالى في كتابه العظيم : { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } وقال صلى الله عليه وسلم : { إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكِحوه , إن لا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير } رواه الترمذي في سننه ، وصححه الألباني في الصحيحة برقم 1868 .

معاشر القراء : احذروا من الدعايات الباطلة ، والدعوات المنحرفة عبر وسائل الإعلام المختلفة ، ومواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة ، والتي تروِّج للعزوف عن الزواج الشرعي ، وتصفه بأنَّه كبتٌ للحرية ، وتضييقٌ للرغبات الشخصية ، ونحو ذلك من العبارات الشيطانية ؛ التي تهدف إلى هدم البيوت المطمئنة ، وتخريب الأسر الصالحة المستقيمة ، وتسعى بكل طريقٍ لنشر الفواحش ، والأخلاق الرذيلة في المجتمعات البشرية ؛ التي نهت عنها شريعتنا الإسلامية ؛ الآمرة بكل خيرٍ وبرٍّ وفضيلة ، الناهية عن كلِّ شرٍّ وإثمٍ ورذيلة : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } .

وأخيرا معاشر القراء الفضلاء : ساهموا في زواج بناتكم ومولياتكم ، بتيسير تكاليف زواجهنَّ ، وأعينوا الراغبين في الزواج من شباب ، وشابات المسلمين ؛ ومد يد العون والمساعدة لهم مالياً ونفسياً ؛ ودعم المؤسسات الخيرية الرسمية بصدقاتكم ؛ التي ترعى مصالح المقبلين على الزواج ، وإنَّ ذلك من أعظم القربات إلى الله ، وكم في ذلك من أثرٍ عظيم ليس على المتزوج نفسِه ، بل على مجتمعه بأسره ، وصدق الله تعالى إذ يقول : { وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ } نسأل الله صلاح أنفسنا ، واستقامتها ، وأن يجعل لنا من كل أمرٍ رشداً ، ومن كلِّ همٍّ فرجاً ، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجاً ، وأن يرزقنا من حيث لا نحتسب ؛ اللهم يسر زواج أبنائنا وبناتنا ، وأبعد عنهم الشرور والفتن يا علام الغيوب . اللهم آمين .

 

شهر شعبان

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬