بين السطح اللامع والعمق الصامت : تأملات فوق المحيط الهادي

بقلم : د. سوسن توفيق حنفي
في رحلتي البحرية الأخيرة ، وأنا أعبر المحيط الهادي على متن سفينةٍ عملاقة،
وفي جلساتي التأملية على شرفتي وسط المحيط الضخم ، وبنظري الممتد إلى الأفق.
أحسست البحر مثل الحياة، لا يمنح سره دفعةً واحدة،بل يتركك تتأمل،
ثم يختبر عمقك، قبل أن يكشف عمقه.
في النهار، كان المحيط لوحةً من جمالٍ طاغٍ مبهر.
الشمس تنسكب عليه بسخاء،
فتنثر ذهبها على صفحة الماء،
وتجعله يتبدّل بين أزرقٍ صافٍ، وفيروزٍ حيّ، وأطيافٍ متعددة لا تُحصى.
كان المشهد مهيبًا ، فاتنًا، مريحًا، وباعثًا للطمأنينة.
كأن البحر في هدنةٍ مع العالم،وكأن الاتساع اللا متناهي يشرح القلب،ويعطيك إشارات بأن الدنيا على أفضل حال… لكن البحر لا يبوح بكل شيء في الضوء.
فالشمس، بكل سطوعها،والقمر، بكل رفق نوره،
لا يبلغان قعر المحيط.
يضيئان السطح والطبقات العليا فقط.
ويتركان العمق حالكًا مظلمًا بعيدًا وموحشًا على حاله،كأن في الوجود مناطق خُلِقت لتبقى بعيدة عن الامتلاك.
أُريدُ مِنْ زَمَني ذا أنْ يُبَلّغَني
ما لَيسَ يبلُغُهُ من نفسِهِ الزَّمَنُ
وهنا تجسد لي هذا المعنى للبيت:
نحن كثيرًا ما نطلب من الزمان ما لا يملكه أصلًا.
نتمنى اكتمالًا لا تسمح به طبيعة الأشياء في دنيانا،
ونحلم بوضوحٍ لا يُمنح إلا للأسطح.
فكما لا يبلغ الضوء أعماق البحر،
لا تبلغ كل الأماني قاع الحياة،
ولا كل الرغبات تجد طريقها إلى التحقّق.
ليس عجزًا في الضوء، ولا قسوةً في الزمان،
بل حكمة خفيّة تقول لنا: هذه هي الحياة !
بعض المسافات وُجدت لكي نتعلّم القبول،
لا الوصول.
حين أقبل الليل،
خلع المحيط الهادي ثوبه الملوّن، وارتدى هيبته الباردة.
لم يعد جميلًا بالمعنى المجرد ،
بل صار عظيمًا وبالنسبة لي مهيبًا ومخيفًا قليلًا.
انعكس القمر على سطحه كخيطٍ فضيٍّ متلألئ،
لا يدلّ على طريق، ولا يهدي إلى سبيل،
بل يذكّرك بالمسافة بينك وبين القاع.
هناك، أدركت أن الجمال قد يكون اختبارًا،
وأن السكينة قد تتزامن مع الخوف والرهبة.
فما يدومُ سرورٌ ما سُرِرْتَ به
ولا يَرُدُّ عليكَ الفائتَ الحَزَنُ
خلال رحلتي رأيت البحر لا يستقر على حال، مرةً وديعًا كأنه وعد،ومرةً هائجًا كأنه إنذار.
لا يعتذر عن تقلّبه،ولا يبرّر تغيّره. فهذا طبعه المعتاد.
وهكذا الحياة تمامًا.
لا فرحٌ يقيم طويلًا، ولا حزنٌ يعيد ما مضى.
كل شيءٍ يعبر،كما تعبر الأمواج،
تأتي وتتلاطم بقوة ثم تذهب،تترك أثرًا من زبد مايلبث أن يذهب جفاء مهما كثر وعلا.
كنتُ فوق سفينةٍ تمشي بثبات،مدينةٍ عائمة تعجّ بالحياة.. في الأعلى عالمٌ صاخب
بشرٌ من أعراقٍ شتّى، لغات، ضحكات، موسيقى،
أقدامٌ تمشي في كل اتجاه وقلوبٌ منشغلة بتفاصيل كثيرة.
عالمٌ بشريٌّ كامل، يتحرّك بثقةٍ فوق الماء،
وكأنه غير مدرك ما تحته.
أما أسفلنا، فكانت الحياة الأخرى.
عوالم لا تحتاج إلى ضوء الشمس، ولا أكسجين الهواء، ولا الماء العذب.
كائنات تتوهّج في الظلام،
نظمٌ دقيقة، وأسرارٌ لم تُرَ.
حيوات مختلفة تمضي بصمتٍ مهيب،غير عابئةٍ بوجودنا،ولا بسفينتنا،ولا بادّعائنا أننا نعرف هذا العالم.
وهنا، تسلّل السؤال الأكبر إلى داخلي
كم من البشر يشبهون سطح البحر؟
وكم من الحقائق تسكن في الأعماق ولا تُرى؟
فالإنسان، مثل البحر، له سطحٌ ظاهر يراه الجميع،
وله عمقٌ لا يُكشف بسهولة.
نخطئ حين نكتفي بما يظهر،وننسى أن كل إنسان يحمل محيطه الخاص.
وكل إنسان، مهما بدا عاديًا أو متناقضًا أو قاسيًا،
يخبّئ في أعماقه شيئًا يستحق الاكتشاف
خيرًا لم يُستدعَ بعد،
قوةً لم تجد من يثق بها،
نورًا ينتظر من يراه
لا من يطالبه بالسطوع.
في تلك الرحلة فوق المحيط الهادي،
لم أكن سائحةً فقط،
كنتُ كائنًا يعيد النظر في معنى العبور.
فالإنسان، في جوهره،
عابرٌ فوق أشياء أكبر منه
فوق الزمن،
وفوق الألم،
وفوق أسئلةٍ لن يملك لها جوابًا كاملًا.
علّمني البحر أن ما لا نراه
قد يكون أكبر وأعمق مما نراه.
غادرتُ السفينة،لكن الرحلة لم تنتهِ.
تركت في داخلي أثرًا يشبه المدّ،
يعود كلما ظننت أنني فهمت نفسي أو الآخرين.
فنحن جميعًا نسير فوق أسطحٍ مختلفة في سبل شتى،ونخفي في أعماقنا ما الله به عليم.
إنّ في صدري، يا بحر، لأسرارًا عجابا
نزل السِّترُ عليها وأنا كنتُ الحجابا
ولذا أزدادُ بعدًا كلما أزددتُ اقترابا
وأراني كلما أوشكتُ أدري…
لستُ أدري!
إنّني، يا بحر، بحرٌ شاطئاه شاطئاكا
الغدُ المجهولُ والأمسُ اللذان اكتنفاكا
وكلانا قطرةٌ، يا بحر، في هذا وذاك



