شهر شعبان

بقلم: حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله ، والصلاة ، والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، ومن والاه ، ثمَّ أما بعد :
لقد دخل علينا شهر شعبان الفضيل ، والذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ذلك شهْرٌ يغْفُل الناس عنْه بيْن رجب ورمضان ، وهو شهْرٌ تُرْفَع فيه الأعْمال إلى ربِّ العالمين ، فأحبّ أنْ يرْفعَ عملي وأنا صائمٌ ) رواه أحمد والنسائي ، وغيرهما ، وحسَّنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٨٩٨ .
معاشر القراء : لقد اهتمّ السلف الصالح بشهر شعبان اهتماماً عظيماً ، واستغلال أيامه ولياليه في صالح الأعمال ؛ وقد كان الحسن البصري رحمه الله إذا دخل شعبان تغيَّر حاله ، واشتدَّ خوفُه ، وكان يقول : ” إنَّ المؤمن جمع إحسانًا وخشيةً ، وإنَّ المنافق جمع إساءةً وأمنًا ” وقال أبو بكر البلخي رحمه الله : ” شهر رجب شهر الزرع ، وشعبان شهر السقي ، ورمضان شهر الحصاد ” وقال أيضاً : مثل شهر رجب كالريح ، ومثل شعبان مثل الغيم ، ومثل رمضان مثل المطر ، ومن لم يزرع ويغرس في رجب ، ولم يسق في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان ” .
وإليكم معاشر القراء بعض الأعمال الصالحة التي يحرص عليها في شهر شعبان خاصةٍ ، ومن ذلك ما يلي :
١– الإكثار من صيام أيامه ؛ اقتداءً بنبينا محمدِ بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ، وليسهل علينا بصيام أيام شهر شعبان صيام أيام شهر رمضان ، ولهذا جاء في الحديث المتفق عليه ؛ من حديث أمُّ المؤمنين عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : ( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ : لَا يُفْطِرُ ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ : لَا يَصُومُ ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ ) وجاء أيضاً في حديث أسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رضي الله عنه : ( قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ ، قَالَ : ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ) قال ابن رجب رحمه الله في لطائف المعارف : “ صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم ، وأفضل التطوع ما كان قريباً من رمضان قبله وبعده ، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها ، وهي تكملةٌ لنقص الفرائض ، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده ، فكما أنَّ السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة ؛ فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه ؛ ولذلك فإنَّ السلف كانوا يجدّون في شعبان ” أي في الأعمال الصالحة ، ومنها الصيام .
فعلينا معاشر القراء أن نحرص على الإكثار من صيام أيام شهر شعبان اقتداءً بنبينا صلوات ربي وسلامه عليه ، وما كان عليه سلفنا الصالحين من بعدهم ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا .
وينبغي ألا يُعتقد أنَّ في صيام أيام النصف الأخيرة من شعبان مزية فضيلةٍ عن أيام النصف الأولى من شعبان ، فمن اعتقد ذلك فقد ضلَّ ضلال مبيناً ؛ لأنَّ كلَّ أيام شهر شعبان مسنونٌ صيامها ؛ لا فرق في ذلك بين صيام أيامٍ عمَّن سواها من الأيام في شهر شعبان .
وكذلك لا يعتقد أن ليوم النصف من شعبان وليلته ؛ أنَّ لهما فضيلةٌ عمَّا سواه من أيام شعبان ولياليه بصيامٍ أو قيامٍ ؛ وإنما يشرع فيه جميعاً صيام النافلة لمن أراد صيام أيامه أو قيام لياليه كسائر ليالي العام ؛ ومن قال خلاف ذلك ؛ فعليه بالدليل الصحيح الصريح في ذلك ؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ ) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما .
٢– المبادرة إلى قضاء الصيام الواجب عليه من رمضان السابق بعذرِ السفر والمرض كما قال تعالى : ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ ) ( البقرة : ١٨٤ ) وتقول أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها : ( كانَ يَكونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِن رَمَضَانَ ، فَما أسْتَطِيعُ أنْ أقْضِيَ إلَّا في شَعْبَان ؛ قَالَ يَحْيَى : الشُّغْلُ مِنَ النبيِّ أوْ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما .
فالواجب هو المبادرة بما وجب على المسلم من صيام قضاءٍ واجبٍ من رمضان قبل حلول شهر رمضان القادم علينا ؛ أهلَّه الله علينا وعليكم بالأمن والايمان ، والسلامة والإسلام .
٣– وإنَّ مما يستعد به لرمضان في شهر شعبان : أن يحرص المسلم على أن يتفقه فيه في دين الله عامة ، وفي أحكام الصيام خاصة ، ومن تلك الأحكام :
أ-أن يعرف المسلم معنى الصيام الشرعي : وهو الإمساك عن الطعام ، والشراب ، وسائر المفطرات ؛ من طلوع الفجر الثاني ؛ إلى غروب الشمس ؛ بنية التعبد لله فرضاً ، أو نفلاً ؛ ابتغاءً لما عند الله من أجرٍ وثوابٍ ؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من صام رمضان إيماناً ، واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه .
ب-وأنَّ الصيام الواجب كرمضان ؛ أو المستحب كصيام أيام شهر شعبان ؛ يشرع في حقِّ المسلم ؛ البالغ ؛ العاقل ؛ القادر على الصيام ؛ السالم من الأعذار الشرعية كالسفر ، والمرض وغيرها ؛ وقد قال الله تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ( البقرة : ١٨٥ ) .
ج-ومما يجب معرفته : الحذر من مفسدات الصيام : من الأكل والشرب ، وما كان في معناهما من الإبر المغذية ، وجماع الرجل لزوجته أو الوقوعِ في جريمة الفاحشة ؛ من لواطٍ أو زنىً ؛ عياذاً بالله في نهار الصيام ، فالجماع أعظم مفسدات الصيام على الإطلاق ، ويترتب عليه الإثم ، والقضاء ، والكفارة .
ومن مفسدات الصيام : خروج دم الحيض ، والنفاس من المرأة ، وخروج المني عمداً باستمناء ؛ أو بسبب تكرار نظرٍ لعورةٍ محرمةٍ .
ومن مفسدات الصيام : التقيؤ عمداً ؛ وصدق الله تعالى إذ يقول : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) ( البقرة : ١٨٧ ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( مَن ذرعَهُ قَيءٌ وَهوَ صائمٌ ، فلَيسَ علَيهِ قضاءٌ ، وإن استَقاءَ فليقضِ ) رواه أبو داود في سننه ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم ٢٣٨٠ .
٤- الإكثار من تلاوة القرآن ، وتدبر آياته ، وحفظ ما تيسر منه ، ومراجعة المحفوظ منه ؛ ولا سيما في حقِّ أئمة المساجد ؛ ليؤدوا تلك التلاوة الطيبة في ليالي رمضان على وجه التمام ؛ وقد قال الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ) ( فاطر : ٢٩ ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( منْ قرأَ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها ؛ لا أقولُ آلم حرفٌ ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ ، ولامٌ حرفٌ ، وميمٌ حرفٌ ) رواه الترمذي في سننه ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم ٢٩١٠ قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ” كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف فقرؤها ” وقال سَلَمَة بن كهيل رحمه الله : كان يُقال : “شعبان شهر القراء ” وكان عمرو بن قيس الملائي رحمه الله إذا دخل شعبان أغلق حانوته ، وتفرغ لقراءة القرآن ” وهذا يدل على اهتمام السلف الصالح رحمهم الله بالقرآن الكريم في شهر شعبان ؛ فكيف هو اهتمامهم بقراءته في رمضان ، فإنَّه يكون من باب أولى وأحرى ؛ لأنَّ رمضان هو شهر القرآن الذي أنزل فيه .
٥– ومما يستعد به لرمضان تهيئة المساجد ، وتنظيفها ، وتبخيرها ؛ لصلاة الفريضة ، وإقامة صلاة التراويح والتهجد فيها ، وقد قال الله تعالى : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ * رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) ( النور ٨٦ – ٨٨ ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من قام رمضــان إيماناً ، واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) متفقٌ عليه .
٦– ومما يستقبل به في شهر شعبان لرمضان : الإكثار من التضرع إلى الله بدعائه أن يبلغنا شهر رمضان ، وأن يرزقنا فيه الصلاة ، والصيام ، وسائر الأعمال الصالحة ؛ ولذا كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يدعون ربهم ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ، فإذا حلَّ عليهم ؛ اجتهدوا فيه بصالح الأقوال ، والأعمال ، وإذا ولَّى عنهم دعوا ربهم ستة أشهرٍ أخرى أن يتقبل منهم ما عملوه في رمضان ، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم صيام رمضان وقيامه ، والتزود فيه بصالح الأعمال ، وأن يجمعنا بكم ، وبالصالحين من عباده في جنات النعيم ، وأن ينجينا وإياكم من عذاب القبر والجحيم ، ووالدينا ووالديكم ، وجميع المسلمين برحمة ربنا أرحم الراحمين . اللهم آمين .



