مقالات

سلوكيات خاطئة في المساجد

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، ومن والاه ، ثمَّ أما بعد :

أخي القارئ الكريم : إنَّ المساجد من أفضل بقاع الأرض على الإطلاق ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيها : ” أَحَبُّ البِلَادِ إلى اللهِ مَسَاجِدُهَا ، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إلى اللهِ أَسْوَاقُهَا ” رواه مسلمٌ في صحيحه ؛ ولأنَّ المساجد محلُّ الأذان ، والصلاة ، والذكر ، والدعاء ، وفيها تسمع الخطب ، والمواعظ ، والعلوم الشرعية النافعة ، وغيرها من صالح الأقوال ، والأعمال ؛ وصدق الله تعالى إذ يقول : ” فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ” النور : ٣٦ – ٣٨ ) وأمر الله بطهارتها حسيَّاً ومعنوياً من الأوساخ والأجناس ، والأقوال الباطلة ، والأفعال القبيحة ؛ من الشرك ، والبدع ، والكبائر ، ومنها الغيبة والنميمة ، والسباب ونحوها ، وقد قال الله تعالى : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) ( الجن : ١٨ ) وقال تعالى : ” وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ” ( الحج : ٢٦ ) .
أخي القارئ الفاضل : ينبغي أن تنزه مساجدنا مما ذكرته ، ومما سأذكره لك في الأرقام التالية :
١- الحذر من رفع الأصوات في المساجد بغير ذكر الله ، وطاعته ؛ مما يحصل من بعض المصلين فيها من كثرة الكلام في أمور الدنيا ورفع أصواتهم بها ، فضلاً عما يتكلمون به من أمورٍ محرمة من شركٍ ، وبدعٍ ، ومعاصٍ ؛ والتي تشوش على المصلين صلاتهم ، وعلى التالين تلاوتهم ، وعلى الذاكرين ذكرهم لله؛ وعلى الداعين دعاؤهم ، وتضرعهم إلى ربهم ؛ فرفع الصوت في المساجد بغير ما أمر الله برفعه فيها منهيٌّ عنه شرعاً ، وعقلاً ، وذلك نوعٌ من الصدِّ عن سبيل الله وطاعته في بيوت الله ، وقد قال الله تعالى : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ( البقرة : ١١٤ ) وفي الحديث : ( عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قالَ : اعتَكفَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ في المسجدِ ؛ فسمِعَهم يجْهَرونَ بالقراءةِ ، فَكشفَ السِّترَ ، وقالَ : ألا إنَّ كلَّكم مُناجٍ ربَّهُ ؛ فلا يؤذِيَنَّ بعضُكم بعضًا ، ولا يرفعْ بعضُكم على بعضٍ في القراءةِ أو قالَ في الصَّلاةِ ) رواه أبو داود في سننه ؛ وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم ١٣٣٢ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى المعتكفين عن رفع أصواتهم حال اعتكافهم في المساجد بالقراءة والدعاء ، ونحوها ؛ حفاظاً على قراءة الآخرين ، وصلاتهم ، ودعائهم ؛ من تشوش عليهم عبادتهم فيها ؛ فغير ذلك من الأمور المكروه والمحرمة من باب أولى ، كرفع الصوت بالكلام في أمور دنيوية مباحة ؛ أو أمورٍ محرمة ؛ فهي أشد إثماً ، وأعظم جرماً وخطراً ، والله المستعان .
٢- من السلوكيات الخاطئة في المساجد اصطحاب بعض المصلين أطفالهم ؛ والذين هم دون سن التمييز ؛ وخاصة إذا وجد في المسجد أطفالاً في سنهم ، وسفههم ؛ مما يشوش على المصلين صلاتهم ، والداعين لله دعاؤهم ، والذاكرين لله ذكرهم ، وتسبيحهم ؛ وقد جاء في الحديث الضعيف السند إلا أنَّ معناه صحيح : ( جنِّبوا مساجِدَكم صبيانَكم ، ومجانينَكم ، وشراءَكم ، وبيعَكم ، وخصوماتِكم ، ورفعَ أصواتِكم ، وإقامةَ حدودِكم ، وسلَّ سيوفِكم ، واتَّخِذوا على أبوابِها المَطَاهِرْ ؛ وجَمِّروها في الجُمَعِ ) ضعفه النووي في خلاصة الأحكام ج١ / ٣٠٩ .
٣- من السلوكيات الخاطئة في المساجد ، وخاصة في شهر رمضان المبارك ؛ كثرة التسول في المساجد ، مع رفع الصوت بالسؤال أمام المصلين ، بخطب رنانةٍ ، وبلاغةٍ متناهية ؛ يصحبها بكاءٌ وعويل ؛ واستصحاب الأطفال والمعوقين ؛ ليتم استعطاف الناس بالرحمة على المتسول ، ومن معه ؛ نسأل الله العفو والعافية ؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تَزالُ المسأَلةُ بأحدِكُم حتَّى يَلقى اللَّهَ وليسَت في وجهِهِ مُزعةُ لَحمٍ ) متفقٌ عليه ؛ وفي الحديث : ( عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلاَلِيِّ رضي الله عنه قَالَ : تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللّهِ أَسْأَلُهُ فِيهَا ، فَقَالَ : أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا ؛ قَالَ : ثُمَّ قَالَ : يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاَثَةٍ : رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلُةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَاما مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُوم ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ : لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًاً ) رواه مسلم في صحيحه ، فينبغي منع المتسولين من المساجد ، وتطهيرها من ازعاجهم وعويلهم ؛ لتكون مساجدنا مكاناً لجمع الحسنات وفعل الصالحات ، لا مرتعاً خصباً للمتسولين ؛ من الرجال ، والأطفال ، والنساء ، وذوي العاهات ؛ نسأل الله العفو والعافية ، إن ربنا سميعٌ مجيب الدعوات .
٤- من السلوكيات الخاطئة ما تشهده بعض المساجد ؛ من كثرة السرقات للنعال ؛ أعزكم الله ، وأكرمكم ؛ وخاصةً إذا كانت النعال جديدة ، أو نظيفة ؛ ولا يفعل هذا إلاَّ من قلَّ خوفه من الله ، وضعف دينه ؛ وعقله ؛ فأين هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يأْخذَنَّ أحدُكم متاعَ أخيهِ لاعبًا ولا جادًّا ؛ ومن أخذ عصا أخيهِ فلْيرُدَّها ) رواه أبو داود في سننه ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود برقم ٥٠٠٣ ومن قوله صلى الله عليه وسلم : ( أَلَا لا تَظْلِموا , أَلَا لا يَحِلُّ مالُ امرِىءٍ إلا بِطِيبِ نفسٍ منه ) رواه أحمد في مسنده ، وصححه الألباني في هداية الرواة برقم ٢٨٧٥ وفي الحديث : ( أنَّ رجلاً سرق بُرْدَةً له ؛ فرفعَه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم ، فأمر بقطعِه , فقال يا رسولَ اللهِ قد تجاوزتُ عنه ، فقال أبا وهْبٍ : أفلا كان قبلَ أن تأْتيَنا به ؛ فقطعَه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ) رواه النسائي في سننه ، وصححه الألباني في صحيح النسائي برقم ٤٨٩٣ وقال صلى الله عليه وسلم : ( لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ) رواه البخاري ومسلم في صحيحهما .
٥- من السلوكيات الخاطئة في المساجد البيع والشراء في فناء المساجد ؛ لأن فناءها تبعٌ لها ، والمقصود بالفناء سور المساجد المحيط بها ؛ وقد نهى رسولنا صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء في المساجد ، والدعاء على من قام بذلك بقولنا له : لا أربح الله تجارتك ؛ قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتُم من يبيعُ أو يبتاعُ في المسجدِ ؛ فقولوا : لا أربحَ اللَّهُ تجارتَكَ ، وإذا رأيتُم من ينشدُ فيهِ ضالَّةً ، فقولوا لا ردَّ اللَّهُ عليْكَ ) رواه الترمذي في سننه ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم ١٣٢١ فيجب الحذر كل الحذر من البيع والشراء في المساجد وخاصة من باعة السواك أو الأراك أو غيرها من السلع عامة ؛ أرشدنا الله وإياهم للحق والصواب ، وجنبنا ما يغضبه ، ويسخطه علينا .
٦– من السلوكيات الخاطئة : الانشغال بالجوالات ، وبرامجها ، ومواقع التواصل الاجتماعي فيها عن قراءة القرآن من المصحف ، والانشغال بالجوالات الذكية عن ذكر الله تعالى ، وصلاة النافلة ، والدعاء فيها ما بين الأذان والاقامة خاصة ؛ كيف وقد قال الله تعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ “( المنافقون : ٩ ) وقال تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ( الأنفال : ٢٨ ) .
أخي القاري : هذا ما أحببت التنبيه عليه في مثل هذا المقال القصير ، والله نسأل أن يلهمنا رشدنا ، ويعيذنا من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ؛ والله نسأل الله طهارة قلوبنا ، ومساجدنا من السلوكيات الخاطئة فيها ، نسأل الله أن يهدينا جميعاً للتي هي أقوم ، وأن يحبب إلينا الايمان ، وأن يزينه في قلوبنا ، وأن يكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، وأن يجعلنا من الراشدين ، وأن يجزي ولاة أمورنا ، والمسؤلين في بلداننا خير الجزاء ؛ لرعايتهم لبيوت الله حسَّا ومعنىً ، إنه ولي ذلك والقادر عليه . اللهم آمين .

 

انشراح الصدر وسعادته

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬