مقالات

حين نعبر إلى ذواتنا ودواخلنا قبل أن نعبر إلى العالم

بقلم الكاتبة: د. سوسن توفيق حنفي

بقلم الكاتبة: د. سوسن توفيق حنفي

هناك لحظات تمرّ علينا كوميض قلبٍ تاه إيقاعه ثم عاد، كصفيرٍ خافتٍ من جهاز لا يوقظ أحدًا لكنه يوقظك أنت تحديدًا.

لحظة تشعر فيها بأن الحياة تحاول أن تمسك بيدك وتقول:
انهض.. فقد آن لك أن تختار نفسك.”
هذه الهمسة هي جوهر العادة الأولى كما صاغها ستيفن كوفي في كتاب العادات السبع للناس الأكثر فاعلية، لكنني لا أستعيدها هنا كنصٍّ مُقتبس،
بل كمعنىٍ استقرّ في داخلي مع الوقت،
وتشكّل من قراءتي للحياة ومن خبرتي في عملي بقدر ما تشكّل من صفحات الكتاب.
هي حكمة الوجود نفسه حين تُقرأ بعين البصيرة:
أن تبدأ من الداخل حيث تستقر حقيقتك،
وحيث لا صوت يعلو على صوتك أنت.

١- العادة الأولى: قرار يشبه عودة النبض بعد التوقف
المبادرة وحدها ليست حركة،
إنها لحظة صدقٍ مع النفس،
كأنك تضبط داخلك كما يُضبط جهاز مراقبة،
تزيل التشويش، وتعيد ترتيب الإيقاع.
أن تبادر هو أن تقول لروحك:
“لن أترك العالم يقرر عني ، سأقرر عن نفسي.”
وما أصدق تلك اللحظة حين يولد القرار من هدوءٍ عميق، وليس من توتر عابر.
ليس المهم أن تتحرك سريعًا، بل أن تعرف لماذا تتحرك، وإلى أي اتجاه.

هكذا هي الحياة:
إما أن تستيقظ فيك ذاتك أولًا،
أو يوقظك العالم قبل أن تُدرك أين تقف.

٢- العادة الثانية: الغاية، ذلك الضوء في مستهل الطريق
“ابدأ والغاية في ذهنك”
لكن الغاية ليست دائمًا إنجازًا ولا نجاحًا ولا منصبًا.
أحيانًا كل الغاية في طمأنينتك،
ذلك الشعور الخفيّ بأن خطواتك تقودك إلى المكان الصحيح، كما يميل القلب إلى إيقاعه الطبيعي بعد فوضى .

في الطوارئ نتعلم جيدًا أن الغاية ليست فقط أن يعود النبض.والمعنى لا ينتهي عند عودة التنفس.
مرّت بي امرأة مُسنّة ذات ليلة، أمسكت يدي قبل أن أبتعد وقالت:
“أعلم أني سأموت لكني لا أريد أن أموت وحدي.”
كانت الغاية في تلك اللحظة واضحة جدًا.
ليست علاجًا، ولا إجراءً صعبًا.
كانت الغاية… أن نشعرها بالطمأنينة فقط .
ومنذ تلك الليلة، أدركت معنى كلام كوفي:
أن الغاية ليست هدفًا… بل بوصلة تمنعك من التحول إلى آلة.
إن الغاية تشبه مؤشرًا صغيرًا يخبرك:
هذا الطريق لك… وهذا ليس لك أو ليس أنت .”
والروح وحدها هي التي تعرف القراءة الصحيحة مهما كانت الاراء المحيطة او الصورة النمطية العامة.

٣- العادة الثالثة: حين تتعلم أن تفرز قلبك كما تُفرز الطوارئ أولوياتها
يقول كوفي:
“ضع الأهم قبل المهم.”
وفي الحياة كما في الطوارئ نحتاج إلى فرزٍ داخليّ:ما يستحق عجلة أرواحنا، وما يمكنه الانتظار، وما لا معنى له مهما علا صوته
الأولوية في الطوارئ ليست بالنظام.
الأولوية هي الإنسان.
وتلك فلسفة لم يفهمها كوفي من زاوية طبية، لكنه لمسها حين قال:
“الأشياء الأكثر أهمية يجب ألا تكون رهينة للأشياء الأقل أهمية.
ليست كل الأشياء “حرجة”، ولا كل الأصوات طارئة،
ولا كل العلاقات تستحق إنعاشًا متكررًا.
الأهم هو ما يبقي قلبك ينبض بقوة وانتظام.

٤- العادة الرابعة: الفوز المشترك ..حين تدرك أن كل نجاة هي تعاون غير مرئي
في كل غرفة إنعاش، هناك معركة لا تقودها وحدك.
هناك أنفاس تتهادى بين يدٍ تضغط على الصدر وأخرى تُثبت مجرى الهواء وثالثة تُحضّر الأدوية.
نجاح اللحظة ليس نجاح فرد.

هو شبكة من العطاء المتبادل.
وكأن كوفي يصف هذه اللحظات حين كتب:
الحياة ليست منافسة، بل شراكة.”
حتى المريض نفسه شريك بطريقته.
نظراته التي تُحارب، ارتجافة أصابعه، المقاومة الأولى للتنفس حتى ضعف جسده.
كلها تقول: أنا معكم. لا تتركوني.

٥- العادة الخامسة: اسعَ إلى الفهم قبل أن تُفهم
هذه العادة هي روح الطوارئ.
لأن أغلب المرضى لا يشرحون الألم بل يصرخونه.
ولا يعبّرون عن الهواجس بل يخفونها وراء كلمات مبعثرة.

أتذكر رجلًا لم ينطق بكلمة من شدة الألم، كل ما قاله: “احقنيني بأي شيء.”
لو أخذت كلماته بحرفيتها لكنت أعطيته مسكنًا للألم فقط وتركت السبب يشتعل داخله.
الفهم هنا لم يكن في كلامه، بل في صمته.
وهكذا اكتشفتُ أن أعظم مهارة ليست سماع الكلام بل سماع ما خلفه.

٦- العادة السادسة: التعاضد ، حين تتكامل الأرواح قبل الأدوات
في لحظات الخطر القصوى، يصبح الفريق الواحد أشبه بكائنٍ واحد متعدد الأطراف.
يتحركون بلا صراخ، بلا تفسير.
وكل شخص يكمل نقص الآخر.
الفلسفة هنا ليست في التعاون بل في انسجام الوعي.
وكأن الحياة تقول لك:
“لا أحد ينجو وحده.”
إذًا
الفوز الحقيقي لا يشبه معركة،
بل يشبه فريقًا يتحرك بتناغم
كل يدٍ تعرف أين تكون،
وكل فكرة تجد مكانها،
وكل روح تمنح الأخرى مساحة للتنفس.
هذه هي الحياة حين تُمارَس كما يجب
لا نصر فرديّ، بل انسجام جماعي.
أن تربح دون أن يخسر أحد،
أن تستمع قبل أن تتكلم،
أن تبني جسرًا بدلًا من رفع جدار.
أن تتداخل الجهود لتصنع نتيجة لم يكن أحد ليستطيعها وحده.
إنها تشبه الحياة حين نفهم أن النجاح الحقيقي لا يولد من الانتصار الفردي بل من الانسجام والعطاء المتبادل.

٧- العادة السابعة: أن تشحذ روحك، قبل أن تصبح أنت من يحتاج الانعاش
التجديد ليس رفاهية، إنه بقاء.
فالروح تتعب كما يتعب الجسد،
والقلب يبهت كما تبهت الشاشات حين يطول استخدامها، والإنسان لا يمكنه أن يظلّ على وضعٍ واحد دون أن ينطفئ تدريجيًا.
“اشحذ المنشار”
أي امنح نفسك حق الراحة،
حق الانسحاب،
حق الصمت،
حق العودة إلى ذاتك التي أنهكها العالم دون أن يلاحظ.
إنها ليست دعوة للتوقف
بل دعوة لأن تعود حيًّا.
حين تصبح العادات السبع مرآةً لروحك
مع الزمن، لم تعد العادات السبع خطوات،
بل أصبحت عتبات تدخل منها إلى نفسك.
كل عادة منها تشبه غرفة من غرف الحياة
غرفة تضيء النوايا،
وأخرى ترتّب الأولويات،
وثالثة تُعلّمك كيف ترى الآخرين بعيونٍ أقلّ حُكمًا وأكثر نضجًا.
الحياة إن شئنا الاعتراف تشبه ممرًا طويلًا من الممرات الخاوية الساكنة في آخر الليل:
لا يُخبرك أحد أين عليك أن تذهب وماهو الاتجاه الصحيح
لكن مصباحًا صغيرًا فوق رأسك يومض ويهمس لك بصوت داخلي:
“إلى الداخل، ثم إلى الأمام.”
ذلك الصوت لا ينافس ضجيج العالم،
ولا يجادل أصوات الآخرين،
بل ينتظر فقط أن تُنصت.
أن تتعلم فن الإصغاء لداخلك،
لا لما يُفرض عليك من الخارج،
ولا لما يُملى عليك باسم الحكمة أو النجاح أو الصواب.
وحين تمشي نحو ذاتك أولًا،
وتثق بذلك الهمس الخافت،
تتسع الحياة كلها من بعدك،
وتصبح العادات السبع مجرد أسماءٍ جميلة
لرحلة أكبر منها.
رحلة أن تُصبح الإنسان الذي كان قلبك يبحث عنه منذ البداية،
الشخص الحقيقي الذي يمثّلك أنت أنت، لا غيرك.

لو علمتِ الدار بمن زارها

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬