النوستالجيا _ حضور الغياب

بقلم: د : مشاعل الغفيلي
النوستالجيا (Nostalgia) بمعنى الحنين، وهي حالة طبيعية تصيبنا من حين لاخر , الحنين إلى الماضي بشخصياته وأحداثه.
أصل الكلمة يرجع إلى اللغة اليونانية، ومعناها الحرفي «نوستـ» بمعنى الرجوع إلى البيت و«الجيا» بمعنى ألم أو وجع.
وقد كان أشهر من تحدث عن النوستالجيا الكاتب الفرنسي «مارسيل بروست»، حيث ذكر مرارًا الحالة التي كان يمر بها عند تناوله نوعًا من الخبز المرتبط بفيض من الذكريات الدافئة الحنونة في طفولته. وعلى نحو مشابه، قامت ماري ميتلمان، أستاذة علم النفس في جامعة نيويورك، عام 2011، بإحضار مجموعة من الأشخاص ممن يعانون الخرف ويصعب عليهم الكلام، وطلبت منهم أداء أغانٍ قديمة ومألوفة، ولاحظت أنهم بدأوا في تذكر وترديد الكلمات والألحان في لحظات تذكر بسلام وحنين.
ومن ناحية أخرى، أصبح الوعي الجمعي والرأي العام يخلقان ذاكرة مشتركة، بحيث أصبحا أكثر إدراكًا لقوة النوستالجيا وقدرتها على تحريك المشاعر وتوجيه السلوك؛ لذلك بدأت كثير من الجهات، خصوصًا في المجال التجاري، تستثمر هذا الأثر بوعي. فنجد مقهى يقدم القهوة في أوانٍ تراثية قديمة لخلق الألفة، أو يشغل موسيقى قديمة ارتبطت في ذاكرة الناس بمرحلة محددة من حياتهم، وحتى المباني والأسواق الشعبية والتراثية تشهد إقبالًا متزايدًا، بوصفها مساحات تعيد للزائر إحساسًا بالهوية، وتربط الناس بأوطانهم؛ لأنها تحتفظ بذكرياتهم في أركانها وزواياها، وتسهم في تعزيز الانتماء والولاء الوطني، مثلما يحدث أيضًا في يوم التأسيس السعودي.
————————
كم منزلٍ في الأرضِ يألفُه الفتى، وحنينُه أبدًا لأوّلِ منزلٍ.
فالماضي لَبِنةُ الأَساسِ التي نرتكزُ عليها في حاضرِنا، ونوظّفُها لبناءِ مستقبلِنا. والبيتُ هو المكانُ الذي نبدأُ منه، والذاكرةُ الشعوريةُ بالأمانِ والانتماء؛ حيث تكوّنت هويّتُنا مع الحياة: صوتُ الأُمّ، رائحةُ القهوة، طريقُ المدرسة، شارعُ البيتِ القديم، بقالةُ الحي، نشرةُ أخبارِ التاسعة، ملامحُ الطفولةِ الثابتةُ في الذاكرة، الصورُ الورقيةُ، وكثيرٌ غيرُ ذلك. هذه ليست مجرّدَ تفاصيل؛ إنها بذورُ الهوية، التي تصنعُ الأمانَ المألوف، ووشاحَ الأمانِ النفسيّ الذي يُبقينا على اتصالٍ مع أنفسِنا على مرِّ السنين، والطريقةُ التي نكتبُ بها تاريخَنا الشخصيّ: ما اللحظاتُ الصغيرةُ المهمةُ بالنسبةِ لنا؟ وما الإنجازاتُ الكبيرةُ التي أحدثت الفرق؟
إنها ليست أحداثًا فقط؛ إنها بذورُ الهوية التي تربطُ الإنسانَ بتاريخِه وذكرياتِه في الماضي، ويظهرُ ذلك حين يشاهدُ صورةً أو مقطعًا معيّنًا أو حادثةً يستذكرُ من خلالها تلك الأيام، التي ما تزالُ تعيشُ في ذاكرته بمحتواها الإنسانيّ. فنستعيدُ منها عبقَ ذكرياتِنا في مكانٍ رأيناه، أو عبر صوتٍ سمعناه.
———————–
نوستالجيا الاغاني
— مَن يُخبِرُ الراحلين بتواطُؤِ الحنين؟
ماذا قد يضير الشمس ان هم اغلقوا الشباك ..
نحنُ والحكايةُ الأُغنيةُ , مشاهدُنا، ومشاعرُنا، والسِعةُ بقدر الاحتمال مواويل السَّمَر تلك العتبة التي نعبر منها الى الراحلين صوتٌ يطيل الليل قليلًا كي يتّسع للذكرى نقفُ عند حافّته فتأتي الأُغاني صاحبةَ السِّيادة؛ لا تُغنّي فقط، بل تُمارسُ سُلطتها حين تلمسُ ذاكرةَ القلب. هناك، على مشارفِ الحنين، نهرٌ يمشي بهوادةٍ ليمنحَ الذكرياتِ صوتًا وصورًا، بنبرةٍ خافتةٍ حزينةٍ تهزمُ تفاصيلَ اللحظةِ الحاضرة، وتعيدُنا إلى الوراء كأنّنا نغرقُ فيه.
«كان يا ما كان» ليست لحنًا يُسمَع فحسب, إنها مفتاحٌ يوقظُ الذاكرة ويفتحُ أبوابًا أغلقتها الأيام. حين يعودُ اللحن لا يعودُ وحده؛ يعودُ معه كلُّ ما كان حاضرًا معه: المكان، والهواء، ونبرةُ الصوت، وارتجافُ المعنى. تحتضنُنا التفاصيل لنكتشف هشاشةَ مشاعرِنا، وأنّ النهايةَ لم تكن حاسمةً كما ظننّا؛ وأنّ أشياءَ صغيرةً تعاودُ الظهور لتنسجَ الحنينَ لما كان ومضى.
«أنساك» لحنٌ يُعاندُ النسيان، يسكنُ التفاصيل، ويمنحُ الحاضرَ صبرًا إضافيًّا. كأنّ الأُغاني تُرمِّم ما أفسدتْه مسافاتُ الحنين، فنَتَّكِئُ عليها موضعَ أمانٍ، نستعيدُ به كاملَ وعينا، لنكونَ أكثرَ واقعيةً أمام احتمالاتِ الحياة.
أمّا فيروز، فتنقلُ الحنينَ في أغنية «بعدك على بالي» إلى مساحةٍ مختلفة؛ لا يبدو الحنينُ هنا مجرّدَ استرجاعٍ لذكرياتٍ مضت، ولا اعتراضًا على نهايةٍ انتهت. الحبيبُ لا يتحوّلُ إلى «كان»، بل يظلُّ حاضرًا بصيغةٍ مستمرّة: «بعدك على بالي»—حضورٌ لا تصنعه المسافةُ ولا تهزّه الأيام. تُكثّفُ الأغنيةُ معنى الحنين بوصفه انتصارَ الذاكرةِ على الغياب؛ الآخرُ غابَ جسدًا، لكن الذاكرةَ لم تسمحْ له بالاختفاء كاملًا، فأعادتْ تشكيلَ وجودِه ليصبحَ كائنًا شعوريًّا في القلب
———————-
من هَوَّن الفِرقا بعينك يا حنون؟ وإنت العِطر لا مَرَّ صوبك رجّعك.
نوستالجيا العِطر مركبُك وبحرُك ومجدافُك نحو الأسئلة وضربات الحنين المباغتة؛ حياةٌ كاملةٌ تفتح بابًا كاملًا من الذكريات. إنّه علامةُ حضورٍ للغياب، تدخل إلينا من باب العاطفة، وتوقظ داخلنا ما كان نائمًا: مشاهد، وجوه، أصوات، تفاصيلُ بيتٍ، ضحكةٌ قديمة، أو حتى لحظةُ صمتٍ في نهايةِ علاقة.
ولذلك تكون «نوستالجيا العِطر» أقربَ إلى مفاجأةٍ لا نستعدّ لها، كرسالةٍ تصل بلا موعد؛ فتنهار المسافة بين «الآن» و«كان». أنتَ لا تتذكّر فقط، بل تشعر كأن الذاكرة لم تَعُد حدثًا وانتهى، بل حنينًا وارتجافةً في القلب.
————————
الماضي حلو، لكن الحاضر أحلى.
ربما أعظمُ ما تمنحُنا إياه النوستالجيا هو تقديرُ الحياةِ الحاضرة بكلِّ ما فيها، وإعطاءُ قيمةٍ لجميع المراحلِ والمحطاتِ التي نمرُّ بها بحلوها ومرِّها. والحنينُ العاطفيُّ للماضي ليس للماضي بقدر ما هو للماضي كما نتذكّره ونُعيدُ روايتَه داخلَنا؛ كتاريخٍ شخصيٍّ يحملُ هذا التذكّرُ المستفيضُ بريدَ الذكرياتِ في مدٍّ وجزر. وربما هو أكثرُ من مجرد شوقٍ يربطُنا بمرورِ الوقت؛ بل هو تذكيرٌ بحقيقةٍ بسيطة: أن الحياةَ تتعلّقُ إلى حدٍّ كبيرٍ بفقدانِ أشياءَ لم نكن نعرفُ حقًّا أننا نمتلكُها. وأن الأشياءَ دائمًا مهدَّدةٌ بالغياب، وبالانتهاء، وبانقضاء الأجل؛ لذلك ينبغي أن نفهمَ قانونَ اللحظة وأن نعيشَها.
الحياةُ واحدةٌ وقصيرة، واللحظاتُ الجميلةُ جزءٌ منها؛ فلا تدعْها تُصافحُك ولا تجدْ يدَك ممدودة. فالحنينُ ظلٌّ وأثرٌ يبقى بعد أن تنتهي اللحظةُ الجميلة، نستظلُّ به كما نستظلُّ بشجرةٍ؛ شجرةِ الحنين التي تُمسكُ بالجذعِ الممتدِّ في «اليومِ الذي وقعَ في حبِّ الأمس».



