مقالات

اقسى الخسارات

 بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

 بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

تمضي الحياة، ولا تأخذ معها سوى ما لا يُعوَّض: الصحة والعمر.
تمضي بهدوءٍ قاسٍ، لا تلتفت لعدد الليالي التي سهرتَ فيها قلقًا، ولا لحجم التعب الذي بذلته إرضاءً لمن لا يرضيهم شيء.
نمضي ونحن نظن أننا نؤجل راحتنا قليلًا، فقط حتى “يستقر كل شيء”… لكن الحقيقة أن لا شيء يستقر، وأن العمر لا ينتظر.

نمنح أبناءنا من دمنا أكثر مما نمنحهم من وقتنا.
نسهر خوفًا، ونتعب تربية، ونرهق أعصابنا تعليمًا، ونحمل همّ المستقبل عنهم وكأننا سنعيش أعمارهم القادمة.
يكبرون… واحدًا تلو الآخر.
يكبرون وهم يحملون في داخلهم ما زرعناه، لكنهم لا يرون التربة التي تشققت تحت أقدامنا لننبتهم.

يكبر الأبناء، وتكبر معهم المسافات.
تنشغل أيامهم، تتعدد مسؤولياتهم، ويضيق وقتهم، وتبقى أنت في ذات المكان… لكن ليس بذات الصورة.
تعود وحيدًا كما جئت، إلا أنك لا تعود كما كنت؛
تعود محمّلًا بـ تجاعيد لم تصنعها السنون وحدها، بل صنعها القلق، والكتمان، والتضحية الصامتة.

ستتمنى حضورهم…
لا لأنك تحتاجهم، بل لأنك اعتدت أن تكون حاضرًا لأجلهم.
ستنتظر صوتًا، زيارة، سؤالًا عابرًا
لا طلبًا لرد الجميل، بل بحثًا عن ذلك الدفء الذي كان يومًا يملأ البيت.

المؤلم أن أبناءك لن يدركوا حجم ما قدمته إلا حين يقفون في ذات المكان.
لن يفهموا وجعك، ولا ألمك، ولا خوفك، ولا الليالي التي كنتَ فيها قويًا من أجلهم، ضعيفًا على نفسك.
لن يستوعبوا ذلك إلا حين تُنهكهم التجربة ذاتها،
وحين يكتشفون أن العطاء الحقيقي لا يُكتب، ولا يُروى… بل يُستنزف من الروح.

وهنا فقط… يدرك الإنسان متأخرًا:

_أن إرضاء الجميع وهم

_وأن التضحية بلا حدود استنزاف

_وأن من لا يحفظ صحتَه وعمره اليوم… سيدفع الثمن غدًا وحده

فلا تجعل حياتك كلها مؤجلة، ولا صحتك ثمنًا دائمًا للآخرين.
أحب أبناءك، أعطِهم، نعم… لكن لا تنسَ نفسك.

فأقسى الخسارات ليست أن نُخطئ في حق غيرنا،
بل أن نفني أعمارنا ونستيقظ يومًا… فلا نجد إلا بقايا أنفسنا.

البيوت أسرار… وليست استوديوهات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬