إلى من يهمه الأمر : وجه الحقيقة: زهايمر العلاقات

بقلم : د.آمال بو حرب _ تونس
في أعماق القلب حيث تختبئ الذكريات كأسرار قديمة يأتي زهايمر العلاقات كمرض خفيّ يمحو الحب رويدًا رويدًا — بعيدا عن النسيان الجسدي أو التلاشي العاطفي إنه ذلك الخرف الذي يُبقي الشكل والاسم لكنه يسرق الجوهر: أول نظرة، أول همسة، أول دفء جعل الروح تشعر بالانتماء. تخيّل قلبًا يعرف الوجه، لكنه ينسى السبب الذي جعله يدقّ له يومًا.
هذا النوع من الزهايمر يصيب الجميع رجلاً كان أو امرأة في مراحل التلاشي العاطفي حين تذوب الذكريات الحيّة تدريجيًا. يبدأ بنسيان التفاصيل الصغيرة — كأول كلمة أو إحساس — ثم يمتد ليطال الجوهر ذاته. وتظهر شواهد نفسية تشير إلى أنه ينشأ غالبًا من الإهمال المتكرر أو غياب الصدق، لينتج حالة إنكار تشبه الخرف العاطفي، كما في دراسات التحليل النفسي التي وصفها فرويد دفاعًا ضد ألم الفقدان.
من منظور التحليل النفسي يشبه “زهايمر العلاقات” كآلية الإنكار حيث يحافظ الفرد على شكل العلاقة لتجنّب مواجهة النهاية. ومع الوقت، يتراكم الروتين والإهمال حتى يحدث فقدان الذاكرة العاطفية كما وصف يونغ ما أسماه “الظل” الذي يبتلع الجوهر العاطفي.
أما علم الاجتماع، فيربطه بظاهرة العلاقات الشكلية في المجتمعات الحديثة، كما أشار دوركهايم إلى “الأنوميا” أو الفوضى الاجتماعية، حين تفقد الروابط تماسكها تحت ضغط السرعة والاستهلاك. ووفقًا
” لزيجمونت باومان” عالم اجتماع “بولندي-بريطاني طور مفهوم الحداثة السائلة في كتابه “الحب السائل” يصف كيف تتلاشى العلاقات الحديثة بسبب الاستهلاكية العاطفية، حيث يُعامل الشريك كسلعة مؤقتة تفقد بريقها سريعًا، مما يولد روابط سطحية هشة بدلاً من الالتزام حيث يُعامل الشريك كمنتج يفقد بريقه مع الوقت.
أما عنّي، فأعترف أني أصاب أحيانًا بهذا الزهايمر حين أفشل في بناء علاقات هادفة اتمنى منذ البداية أن تكون ناجحة لكن هناك من لا يحترم صدقي فأجد نفسي في المرحلة الأخيرة من النسيان لا أتذكر كيف كانت أول كلمة أول شعور أول فكرة ومع ذلك ثمة متعة غريبة في هذا الوعي، إذ يكشف لي أن بعض البدايات لم تكن سوى نهايات مؤجلة، وأن الصفاء الداخلي أصدق من أي علاقة خارجية. أخرج من التجربة أقوى، وأحوّل الألم إلى حكمة
تجربتي الوحيدة التي أفتخر بها هي مثابرتي على فكرة أن الصداقة هي الأولى دائمًا، لأنها الشكل الأصدق والأكثر دوامًا من كل الروابط.
وبالمناسبة أردت أن أعرّج على مبدأ الرغبة، ذلك التابو الذي نخشى الحديث عنه رغم أنه المحرّك الأعمق للحياة فالرغبة حقّ إنساني مشروع تمامًا، لكنها ليست التزامًا يُفرض على الآخر. إنها طاقة فردية تسعى إلى التوازن لا الامتلاك، إلى المشاركة لا التبرير.
إن الرغبات بأنواعها تجعل الإنسان اكثر قوّة تُبقيه حيًّا ومتفتحًا على العالم. هي التي تُحرّك الفكر قبل أن تُحرّك الجسد، وتدفعنا إلى السؤال والبحث والكتابة. لذا حين أتناول الرغبة فلسفيًا لا أنفي عنها بعدها الإنساني بل أضيء على جوهرها الذي يجمع بين العقل والعاطفة.
أكتب وأنا أدرك أني بشرٌ كغيري: لي رغباتي، ضعفي، توقي، وخوفي و أن الفلسفة لا تنزع عني إنسانيتي ولكن تمنحها عمقًا واعيًا. من يظن أن المرأة الفيلسوف كائن عقلاني بارد يجهل أن الفكر الأصيل لا يولد إلا من تجربة وجدانية حارة لذلك تجد في كتاباتي الشعرية صدى لرغباتي عن عشقي وولعي وحبي لرجل ما في عالم ما وعن توقي لوطني لكنها رغبات مصفّاة بالحكمة، منضبطة بحسن الاختيار متوازنة بين ما يطلبه القلب وما يتأمله العقل.
يجب أن نبحث دائماً عن الحلول الجذرية مثل بناء التوازن الفكري والعاطفي، وليست الحلول الترقيعية التي تُطيل التلاشي.
متى نرتفع في علاقاتنا فوق التفكير في الرغبات ؟
متى نعطي قيمة لرغباتنا و نقيسها بالتوازي مع أفكارنا ونعترف أنه ولو كانت اختياراتنا في البدايات غير سليمة يجب أن نتحلى بالجرأة إما نتخلى عنها أو نقطعها أو نتجاوزها باختيار جديد أو بتوعية الشريك وتهذيبه ؟
الكتاب اللامتناهي: قراءة وجودية وسيميائية لرواية “الوراق “للكاتب الشاعر”مروان يوسف عواد”



