مقالات

مرآة الروح

بقلم : عبير بن صديق

بقلم : عبير بن صديق

لم يكن الإنسان يومًا يعرف ملامح وجهه.
وُلد والعالم صفحة مفتوحة، لا مرآة تعكس ضحكته الأولى، ولا ظلّ يفضح ارتجافة حزنه، ولا سطحٌ صافٍ يخبره كيف يبدو حين يغضب أو يتعجب أو يفرح.. وجهه مجهولًا له، كأنما خُلِق ليُرى بالقلوب لا بالعيون.
كانت مرايا البشر هي تعابير الآخرين؛ دهشتهم حين يبتسم، ارتباكهم حين يغضب، وحنوّهم حين يبكي.
ولم تكن مياه البئر أو صفحة النهر سوى إثبات بسيط للوجود.
ومن هذا الغياب القديم للمرآة وُلدت حكمة خفية:
أن النفس خُلقت لتتأمل دواخلها قبل أن تبحث عن صورة ملامحها.
وأن الجمال الأصيل، ذاك الذي دعا له النبي ﷺ: “اللهم كما أحسنت خلقي فأحسن خُلقي”، لا يظهر بالضوء بل بالأخلاق، ولا يسطع بالملامح بل بنقاء النيّة، ولا يتجلّى في الخارج إلا عندما يستقيم الداخل.
ومع أننا اليوم نكثر من النظر في المرايا ونظن أننا نرى أنفسنا… إلّا أننا غالبًا لا نرى إلا انعكاس أفكارنا عنها.
فمن يرى ذاته جميلاً من الداخل، ينعكس هذا الجمال على صورته.
ومن يقدّر نعمة في ملامحه أو جسده، يراها الأوضح بين التفاصيل.
وهنا تتقدّم الذات بفلسفتها الخاصة:
الصورة التي نحملها عن أنفسنا تتشكل من يقين داخلي قبل أن يصوغها الضوء.
والجمال الكامن في أرواحنا نور ينتظر لحظة صدق ليُولد إلى الخارج.
وما يشبه الظلّ في أعماقنا ليس عيبًا بل عمقًا يحتاج مصالحة ليكتمل به اتساقنا.
وأما اللحظة التي نُبرز فيها أجمل ما فينا فهي لحظة نضج صامت، يلتقي فيها الوعي بالرضا، فتمضي النفس نحو نورها بلا خوف.
وعند هذا الإدراك لا نحتاج إلى كاميرا متقدمة، ولا إلى تطبيق يصنع ملامح غير حقيقية أو يزيف حضورنا.
فالمرآة الحقيقية ليست قطعة زجاج، بل هي اختيارٌ وقرار داخلي…
اختيار وقرار بأن نرى، وأن نُنَقى ، وأن نتطهر
فحين يتحسن الخُلُق…
يصبح كل ما في المرآة جميلًا دون أن يتجمّل.

 

طرقة باب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬